معظم مشاريع البيع على الخارطة التي تتعثّر لا تتعثّر لأن هامش الربح النهائي كان ضعيفًا. تتعثّر لأن المطوّر وصل إلى شهر معيّن — عادةً بين الأساسات والهيكل — واكتشف أن الأموال الموجودة في حساب الضمان لا يمكن صرفها بعد، وأن رأس ماله الذاتي نفد، وأن البنك يطلب دراسة لم تُعدّ بالطريقة الصحيحة.
هذا الشهر له اسم في النموذج المالي: ذروة فجوة التمويل. وحسابه بدقة — قبل فتح حساب الضمان وقبل تقديم طلب الترخيص — هو الفرق بين مشروع يُنجَز ومشروع يتوقف عند نصف الطريق.
في المقال السابق أوضحنا ما تشترطه الهيئة العامة للعقار في دراسة جدوى مشروع البيع على الخارطة. هنا ندخل في الجزء الذي يُحدّد فعلًا ما إذا كان المشروع قابلًا للتنفيذ: كيف تُحسب فجوة التمويل، وما الذي يؤثر فيها، وكيف تُقدَّم للبنك.
أولًا: ما هي فجوة التمويل في سياق حساب الضمان؟
في المشروع التقليدي، فجوة التمويل = التكاليف حتى بدء المبيعات. في البيع على الخارطة تختلف الصورة تمامًا، لأن أموال المشترين تدخل مبكرًا لكنها لا تُصرَف إلا وفق نسب الإنجاز التي يعتمدها المحاسب القانوني والاستشاري الهندسي.
وبالتالي فإن الفجوة هنا هي: الفرق في كل شهر بين ما يجب إنفاقه على البناء، وما يُسمَح بصرفه من حساب الضمان — مضافًا إليه تكاليف لا يغطيها الحساب أصلًا (كالأرض في كثير من الحالات، والتسويق، والرسوم).
ماذا يعني ذلك لقرارك؟ أن المشروع قد يكون مربحًا جدًا على الورق ومستحيل التنفيذ في الواقع، إذا كانت ذروة الفجوة أكبر مما تملك أو مما يستطيع البنك تمويله. الربحية سؤال، والقابلية للتنفيذ سؤال آخر — والثاني يُطرح أولًا.
ثانيًا: الخطوات الخمس لحساب الفجوة
- جدول التكاليف الشهري. ليس إجمالي التكلفة، بل توزيعها على أشهر التنفيذ: الأرض، التصاميم والتراخيص، الأساسات، الهيكل، التشطيبات، المرافق، التسويق، الرسوم.
- منحنى البيع المتوقع. كم وحدة تُباع في كل شهر، وبأي جدول دفعات للمشتري. هذا يحدد التدفق الداخل إلى حساب الضمان.
- جدول الإفراج من الحساب. ما النسبة المسموح صرفها عند كل مرحلة إنجاز؟ هذا ما يحدد التدفق الخارج من الحساب إلى المشروع — وهو دائمًا متأخر عن الداخل.
- الرصيد التراكمي. اطرح ما يجب إنفاقه من ما يُسمح بصرفه، شهرًا بشهر، مع رأس المال الذاتي. أدنى نقطة في هذا المنحنى هي ذروة الفجوة.
- مصادر التغطية. ما الذي يغطي الذروة؟ حقوق ملكية إضافية، تسهيل بنكي، مساهمة مالك الأرض بالأرض بدل النقد، أو تأجيل بنود قابلة للتأجيل.
ثالثًا: مثال توضيحي بأرقام افتراضية
الأرقام التالية افتراضية بالكامل لتوضيح المنهجية، وليست تقديرات لمشروع فعلي أو لسوق معيّن.
افترض مشروعًا سكنيًا صغيرًا من 20 وحدة، تكلفة تنفيذه (بدون الأرض) 20 مليون ريال موزعة على 18 شهرًا، والأرض مملوكة للمطوّر. يفترض المطوّر بيع الوحدات بمعدل وحدتين شهريًا بدفعة أولى 20% ثم دفعات مرتبطة بالإنجاز.
في الشهور الستة الأولى (التراخيص والأساسات) يُنفَق نحو 30% من التكلفة، بينما لم تُبَع سوى 12 وحدة، ولم يُفرَج من حساب الضمان إلا عن نسبة صغيرة لأن الإنجاز الفعلي ما زال محدودًا. الفارق بين ما أُنفق وما أُفرِج عنه في هذه المرحلة هو ما يجب أن يغطيه المطوّر من ماله أو من البنك — وهو في هذا المثال ذروة الفجوة.
الدرس من المثال: الفجوة لا تظهر في نهاية المشروع بل في بدايته، حيث الإنفاق مرتفع والإفراج منخفض. وأي تأخير في البيع أو في الإنجاز يوسّع هذه الفجوة في أضعف نقطة للمشروع ماليًا.
رابعًا: ثلاثة متغيرات تقلب النتيجة
1) سرعة البيع
إذا انخفض معدل البيع من وحدتين شهريًا إلى وحدة، لا ينخفض العائد فقط — بل تتضاعف الفجوة تقريبًا، لأن التدفق إلى حساب الضمان يتباطأ بينما جدول البناء ثابت. لذلك نطلب دائمًا سيناريو بيع متشائمًا صريحًا في الدراسة.
2) تأخير الإنجاز
التأخير يعمل في الاتجاهين معًا: يؤخر الإفراج من الحساب (لأنه مرتبط بالإنجاز)، ويُعرّض المطوّر لالتزامات التسليم المحددة باليوم في عقود البيع. حساسية العائد لتأخير ستة أشهر هي المؤشر الأصدق على صلابة المشروع.
3) طريقة التعامل مع الأرض
الأرض غالبًا أكبر بند منفرد وأوّل بند يُدفع. المطوّر الذي يشتري الأرض نقدًا يبدأ المشروع بفجوة كبيرة من اليوم الأول. المطوّر الذي يشرك مالك الأرض بحصة من المشروع يُخفّض ذروة الفجوة بشكل جوهري — على حساب جزء من العائد. الدراسة يجب أن تعرض البديلين بأرقامهما، لا أن تفترض أحدهما.
خامسًا: ما الذي يريده البنك أن يرى؟
عند طلب تسهيل لتغطية الفجوة، لا يكفي عرض إجمالي التكلفة وإجمالي المبيعات. ما يقنع المموّل هو:
- منحنى الرصيد التراكمي الشهري مع تحديد ذروة الفجوة وتوقيتها.
- ربط واضح بين نسب الإنجاز وجدول الإفراج من حساب الضمان.
- سيناريو متشائم للبيع وأثره على الفجوة.
- مصدر السداد: من أي دفعات، وفي أي شهر، يُسدَّد التسهيل.
وهذه العناصر نفسها هي ما يتطلبه ملف الترخيص لدى الهيئة العامة للعقار — فالدراسة الواحدة المُعدّة بشكل صحيح تخدم الجهتين. للاطلاع على خيارات التمويل العقاري وشروطها: جهات تمويل المشاريع في السعودية.
وماذا لو كانت الفجوة أكبر من كل المصادر؟
حينها تكون الدراسة قد أدّت أهم وظيفة لها: كشفت أن المشروع بصيغته الحالية غير قابل للتنفيذ. والخيارات هنا ليست الإلغاء فقط — بل التعديل: تقليص المرحلة الأولى، تغيير هيكل ملكية الأرض، تعديل جدول الدفعات، أو التأجيل حتى تتوفر مصادر التغطية. كما أوضحنا في متى توصي دراسة الجدوى بعدم تنفيذ المشروع؟، الفرق كبير بين «الفكرة خاسرة» و«هذه الصيغة من الفكرة غير قابلة للتمويل».
الخطوة التالية
لتقدير أولي لمؤشرات مشروعك — العائد، فترة الاسترداد، وحساسية النتيجة للمتغيرات — يمكنك البدء بـالحاسبة المالية المجانية من معيار. أما لبناء نموذج تدفقات شهري يربط جدول الصرف بمراحل الإنجاز ويحدد ذروة الفجوة بدقة — وهو ما تحتاجه للهيئة وللبنك معًا — فتعرّف على خدمة دراسات الجدوى أو تواصل عبر واتساب على 966568183429.

اترك تعليقاً